شايل طاجن كوكبه

في جلسة عائلية تساءلت بمزاح مخلوط بالجد عن البلد المناسب لإعادة بناء حياتي بعد أن تطلق السلطات سراحي نهائيًا. أتت اﻹجابات فورًا بتفادي الجزر؛ فبقائها غير مضمون. لم يتبين لي إن كانت نبرة التشاؤم الساخر تلك تعبيرًا عن بعد المسافة الزمنية الفاصلة بيني وبين الحرية أم قصر الوقت المتبقي قبل الكوارث البيئية الكبرى.

بعدها بأيام قليلة سخرت من استخدام صديقة لكلمة «الفُلك» في مكالمة تليفونية متسائلًا إن كانت تتوقع تكرار طوفان نوح. ردت بجدية مخلوطة بهيستيريا واصفة رعبها من حتمية أن يرث أولادها كوكبًا تغيرت ملامحه بالكامل بسبب التغير المناخي.

غالبًا ما تصور مسألة التغير المناخي في صورة مشابهة لطوفان نوح أو تنويعات مستحدثة كملك الليل والشتاء اللانهائي في مسلسل لعبة العروش. لحظة حقيقة ينزل فيها غضب السماء على البشر كعقاب لتجاهل كل الشواهد والانشغال بصراعات وطموحات لا ترقى للتهديد الوجودي القادم لا محالة. 

تدفعنا تلك التشبيهات لتصور أن الوعي بالكارثة في حد ذاته مفتاح الحل، لذا أنفق آلاف العلماء والنشطاء أعمارهم في سعي دؤوب لرفع الوعي بأضرار انبعاثات الغازات الدفيئة حتى صارت مخاطر التغير المناخي حاضرة في كوابيسنا ونكاتنا على السواء. ولكن ما التغيير الذي ترتب على هذا الوعي المتزايد؟

لنتخيل مثلًا لو أن قوم نوح وصلوا لحالة مشابهة لنا من الوعي بخطر الطوفان والاعتراف بحتميته؟ أكان هذا الوعي سيؤدي لسلوك أكثر حصافة من المذكور في الكتب السماوية؟ أم تراه كان سيؤدي إلى تنازع على اﻷراضي المرتفعة وتكالب على الأخشاب المناسبة لبناء السفن؟

في خضم صراع على موارد محدودة قد تحسم مَن سينجو ومَن سيهلك غالبًا سيستغل مَن حاز مال أو قوة أو نفوذ وضعه قبل الطوفان في محاولة لضمان نجاته وذويه بعد الطوفان، بل وسيسعى لاستمرار نفوذه بعد الطوفان. أما مَن تعوزه مصادر القوة والنفوذ فسيحاول الالتحاق بمَن يمكنه توفير أسباب النجاة من رجال أقوياء أو جماعات منظمة، أو سيبحث عن ملاذه في أفكار دينية متطرفة في انتظار معجزات، أو ربما تطرف في اتجاه آخر يسعى لتدمير كل أساليب النجاة الحكر على القلة بحجة أنها محاولات لتعطيل إرادة السماء، و لن يخلوا الأمر من مجموعات ستقبل بحياة قصيرة وتحياها بلا اعتبارات للمستقبل ناهيك عمَن سيستغل الخوف في احتكار تجارة الأخشاب أو ادعاء النبوة أو النصب بحجة امتلاك أسرار هندسية تسمح ببناء سدود لا تقهر وهكذا.

رغم تمسك حتى أكثر المعلقين علمانية بخطابات فناء النوع البشري وانهيار الحضارة تظل تلك التشبيهات التوراتية مخلة ومربكة، بل ومنافية للوعي الشائع شعبيًا فعلًا. بقاء النوع لا يحتاج لأكثر من بعض آلاف من الناجين مع قدر مناسب من التنوع الجيني كفيل بإعادة تعمير الأرض. الحضارة أيضًا ليست بهذه الهشاشة، أينما وُجد بشر قادرون على سرد قصص عن تاريخهم الماضي وتخيل عوالم مختلفة لحاضرهم وُجدت الحضارة. ومع ذلك لا يبعث الأمر على التفاؤل، ربما لا نكون معرضين للفناء، لكننا فطريًا ندرك أن ملايين منّا ستواجه ظروف ضاغطة قد تصل للهلاك، ولن يفلت أغلبنا من تردي حاد في جودة الحياة وتراجع في قدرتنا على ضمان أي قدر من الرفاه للأجيال القادمة.

الأهم أننا ندرك تمامًا أننا رغم مواجهتنا جميعًا لنفس التهديد إلا أننا لن نتساوى في مقدار ولا توقيت التردي المتوقع ولا حجم وطبيعة الخسائر، بل يغلب علينا الشك أن بعضنا قد يستفيد من الكارثة.

هذه الخلطة من مشكلة كوكبية ووعي معولم مع مساحة فعل محلية -إن وُجدت- وشعور بحتمية استمرار عدم المساواة لا تؤدي فقط لمشاعر اﻹحباط الملهمة للنكات السوداء والكوابيس الأسود، بل تدفعنا دفعا لحالة من التناحر والاستقطاب تشكل في ذاتها تهديدًا قد يكون أقرب وأكثر إلحاحًا، إن لم يكن أعظم أثرًا من خطر التغير المناخي.

فمثلًا بعد عقود من انشغال الدول المنتجة للبترول بعجزها عن تطويع اقتصادياتها لمرحلة ما بعد نضوب النفط اكتشفنا أن الكوكب لن يتحمل استخراج كل المخزون من الوقود الأحفوري أصلًا. آجلًا أم عاجلًا سيُفرض على منتجي النفط خفض اﻹنتاج وستتراجع مكانة البترول مثلما تراجعت مكانة الفحم من قبله. هذا الوعي يدفع كبار المنتجين لسلوكيات متهورة كإغراق الأسواق وخفض الأسعار بغرض تعطيل الانتقال لمصادر طاقة بديلة أو في محاولة للاستحواذ على أكبر حصة ممكنة من السوق قبل انكماشه. كما يُضاف إليها سعي محموم لترجمة الفوائض المالية المتراكمة في سنوات الرخاء إلى نفوذ إقليمي وتأثير دولي. تتداخل تلك السياسات مع الاعتبارات الجيوسياسية فتشتعل صراعات قديمة غالبًا وجديدة أحيانًا، وكعادة هذه الصراعات، لا تنحصر أبدًا في دوافعها المادية، بل تتدثر بنزعات طائفية كالتناحر بين السنة والشيعة أو بخطابات ثقافوية كالتنازع بين روسيا «الشمولية» وأوروبا «الليبرالية».. إلخ.

النفط غالبًا لن ينضب لكن المياة العذبة مورد تزداد ندرته كلما ارتفعت درجة حرارة الكوكب. التناحر حول المياه قديم قدم الحضارة لكن التغير المناخي وما يتبعه من تراجع في كميات اﻷمطار أو مواقيت وأنماط هطولها يهدد أنشطة اقتصادية وتجمعات بشرية مستقرة منذ عقود طويلة. مؤخرًا زادت حدة الصدامات بين الرعاة والمزارعين في مساحات ممتدة من غرب إلى شرق إفريقيا، تأخذ صراعات المياه طابع قبلي وطائفي فيصور لنا الأمر وكأنه صراع بين رعاة رحل مسلمين ومزارعين مستقرين مسيحيين. غالبًا هذا التصور تعوزه الدقة، لكن السرديات المهيمنة لها قدرة على إعادة صياغة الواقع وكلما طال أمد الصراع كلما تورطنا أكثر في تفاصيل تتخطى الأزمة البيئية.

التنازع على المياة لا يأخذ طابع قبلي فقط، من الميكونج والسند إلى الأردن ودجلة والفرات وصولًا للنيل أغلب نزاعات المياه قديمة، وتشكلت معها دول وسياساتها الخارجية والعسكرية. لكن التغير المناخي يزيد من حدة وإلحاح تلك النزاعات ويتداخل معه سعي دول الفوائض المالية والشح المائي لتأمين احتياجاتها، بل ورفاهيتها باستخدام نفوذها لاستقطاع حصص متزايدة من مياه تلك الأنهار، وطبعًا لا يخلو الأمر من تدخل لضمان وجود حكام ونظم سياسية متعاونة تعطي الأولوية لتصدير المياه حتى لو على حساب استعداد شعوبها واقتصادياتها المحلية ﻵثار التغير المناخي.

تزداد أيضًا حدة النزاعات السياسية الداخلية، أوضح مثال تمرد السترات الصفراء في فرنسا ضد سياسة ضريبية تهدف نظريًا لخفض استهلاك الوقود وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة. كلما اعترضنا على تجاهل الآثار المدمرة للنمو والتراكم والتنافس الرأسمالي المضطرد رد خبراء الاقتصاد بأن المشكلة تكمن في عجز الأسواق في صورتها الحالية عن الأخذ في الاعتبار كامل تكلفة إنتاج السلع بما فيها الأضرار والمخاطر البيئية والصحية وأن الحل الوحيد هو ترجمة كل المخاطر والخسائر إلى قيمة نقدية من خلال مقترحات كفتح أسواق للتجارة في حصص الانبعاثات أو فرض ضرائب على الكربون. سُوقت لنا تلك السياسات المالية والنقدية كحلول سحرية ستؤدي حتمًا وتلقائيًا لتراجع استهلاك الوقود الأحفوري وظهور بدائل مستدامة بشكل سحري. عند التطبيق اكتشف سكان المدن الصغيرة والضواحي في فرنسا أنهم المقصودين بتلك السياسات لا منتجي النفط والسيارات. بالعكس يتمتع أولئك بصور متعددة من الدعم الحكومي، بما فيها تحريك الجيوش وتعقيد الأزمات الاقليمية لصالحهم (راجع سياسات نفس الحكومة الفرنسية في ليبيا حمايةً لمصالح شركة توتال أو أشكال الدعم المادي والسياسي المختلفة التي تحصل عليها شركة بيجو).

الخوف من التغيرات السياسية والاجتماعية النابعة من التغير المناخي يربض مختبئًا في أغلب صور الاستقطاب السياسي في الغرب. فسكان المناطق المنتجة للفحم انتخبوا ترامب، بينما أدى شعور فئات واسعة من ناخبي إنجلترا الأفقر أن الاتحاد الأوروبي سيفرض عليهم حتمًا معايير وحلول بيئية لا يمكن التفاوض بشأن مَن يتحمل كلفتها إلى التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي. وكما في باقي صراعات الكوكب، الأزمات سابقة لمسألة التغير المناخي لكن حدتها تزيد ويتمّ إلباسها أردية ثقافوية وشعوبية دارجة أصلًا وتشكل في حد ذاتها أزمات يصعب التعامل مع آثارها حتى إن نجحنا في إيجاد حلول للأزمات البيئية.

يدفعنا التهديد المشترك لخطابات التفرقة بلا هوادة، فما أسهل الشكوى من عادات الأمريكيين المهووسين بالسيارات الضخمة والطُرق السريعة مدمني أكل اللحم ثلاث مرات يوميًا، أو من الأوروبيين وإصرارهم على حماية أنفسهم من تقلبات الجو بالمبالغة في التدفئة والتبريد ولو على حساب زيادة حدة تقلبات المناخ لباقي الكوكب. ويشتكي الأوروبيون والأمريكيون من مخاطر انضمام أعداد أكبر وأكبر من الصينيين والهنود لأسلوب حياة الاستهلاك والرفاهية الغربي بينما يشتكي الكل من معدلات خصوبة الأفارقة. وهكذا يبدوا لنا وكأن السردية التوراتية الأكثر تعبيرًا عن الخطر القادم ليست قصة طوفان نوح وإنما قصة برج بابل: عقابًا لنا على غرورنا بقدراتنا التقنية ونهمنا للبناء والاستهلاك والتوسع بلا حساب بلبل الرب ألسنتنا حتى انعدمت قدرتنا على التواصل والتفاهم وتشرذمنا بلا رجعة.

هذا الموقف على غرابته ليس بجديد، ولا يحتاج فهمه لاستدعاء قصص الأقدمين. أثناء فترة الحرب الباردة عاشت البشرية في خوف حقيقي من اندلاع حرب نووية يشعلها قطبي الكوكب. هذه البارانويا المعولمة أخرجت أي وكل صراع داخلي أو نزاع إقليمي من سياقه الطبيعي وحدوده التقليدية ليتحوّل إلى أحد مواضع الاستقطاب العالمي بين معسكرين. وقتها وصل الاستقطاب مداه لدرجة أن كل محاولات اتخاذ موقف حيادي تجاهه وكل سعي للدفاع عن قيم مشتركة إما حُيدت أو اُستغلت من أحد طرفي النزاع وواجهت عداءً صريحًا من الطرف الآخر (مثلًا صُورت حركة عدم الانحياز وكأنها أقرب للمعسكر الشرقي، وحركة حقوق اﻹنسان وكأنها أقرب للمعسكر الغربي).

في وعينا الجمعي تُذكر الحرب الباردة وكأنها بديل تحت مظلة الردع المتبادل للحروب العالمية. وبالفعل لم تندلع الحرب العالمية الثالثة ولا أُطلقت أي قنابل نووية بعد ناجازاكي، لكن في دراسة حديثة قُدر عدد القتلى جراء نزاعات الحرب الباردة بحوالي 20 مليون، ثلث ضحايا الحرب العالمية الثانية وحوالي عشرة أضعاف ضحايا قنبلتَي هيروشيما وناجازاكي. الأدهى أن تعقيدات صراعات الحرب الباردة مستمرة معنا إلى اليوم بعد ثلاثة عقود من نهايتها رسميًا.

في زمن الحرب الباردة بدا الأمر وكأننا نواجه إرادتين متصارعتين، بينما التغير المناخي يظهر وكأنه نتاج أسلوب تنظيم الحياة المعاصرة نفسها إن لم يكن نتاجًا لمنزع أصيل في النفس البشرية. النظام الرأسمالي المهيمن على الكوكب وصل في رسوخه واستقراره لدرجة يبدو معها وكأننا نحتاج لمعجزة إلهية للخلاص منه أو إصلاحه. لذا ينتشر الخيال التوراتي في صوره الحديثة العلمانية. من أول استعذاب فكرة الفناء القادم بخطابات أخلاقية عن كيف أننا كبشر نستحق ما سيحدث. وصولًا إلى انتظار حلول سحرية مثل طاقة نظيفة لا تنضب أو تكنولوجيا تسمح بجمع الكربون من الهواء رغم أن المؤشرات العلمية والتكنولوجية لا تبشر بتلك الإمكانيات. و طبعًا هناك مَن يتخيل إمكانية الهروب من الكوكب، ويكثر الحديث عن المريخ في هذا السياق. لا تكمن الأزمة إذا في وعينا بالخطر القادم، وإنما في عجزنا عن تخيّل بدائل لأسلوب تنظيم السياسة والاقتصاد. هذا العجز يأتي بعد قرنين كاملين من النضال في محاولات لمقاومة الرأسمالية .

 ولكن التغير المناخي، وأنماط الاستهلاك المسببة له، وأشكال عدم المساواة المحفزة للتصارع حوله، مثلها مثل تكنولوجيا السيارات وصناعة النفط، اختراعات بشرية يمكننا تعديلها وتغييرها بلا معجزات ولا أنبياء. وتاريخ المقاومة الطويل هذا ربما لم يؤد إلى انتصارات كبرى على الرأسمالية، ولكنه نجح مرارًا و تكرارًا في تهذيبها وتحسين شروط الحياة للأغلبية. والأهم أن عملية المقاومة هذه هي الطرح الوحيد القادرة على توحيد جماهير عريضة عبر الكوكب كله بدلًا من ترسيخ التناحر والتصارع. علينا إيجاد الملاذ في رحلة البحث عن الخلاص بجدية لأن الرحلة في حد ذاتها من شأنها إيقاف حالة التشرذم والتناحر، وربما أيضًا التخفيف من وطأة الكارثة أو على الأقل فرض تعديلات على الرأسمالية كما فعل بها الحراك اليساري الذي أدى إلى نظام الرفاه بعد الحرب العالمية الثانية مثلًا. 

لكنها مشكلة كوكبية ولا يمكن للفرد ذي مساحة الفعل شديدة المحدودية والمحلية أن يحلها إلا عن طريق إبداع طُرق جديدة للتنظيم العابر للقارات. وحتى نصل لهذه الأشكال من التنظيم علينا أولًا إخراج أنفسنا من أشكال الصراعات العبثية كافة ورفض كل صور الشعوبية المقيتة. علينا استرجاع مساحة الفعل المحلية، لا كمساحة للحفاظ على مكتسبات بائسة وإنما كمساحة للنقاش حول مستقبل أفضل للكل.

 الأزمة بالتأكيد ليست في الوعي ذاته وإنما في الاستسلام لحتمية عدم المساواة. إن كان ما يوحدنا هو التهديد فقط سيتحرك كل فرد وكل جماعة دفاعًا عن مصلحته/ا. أما لو تجمعنا حول الأمل في مستقبل أفضل ننهي فيه أشكال عدم المساواة كافة سيتحول الوعي الكوكبي لطاقة إيجابية.

الأمل هنا فعل اضطراري. أحلامنا الوردية غالبًا لن تتحقق، لكن إن تركنا أنفسنا للكوابيس فقط سيقضي علينا الخوف قبل أن يأتي الطوفان أصلًا.