المظاليم والعدل

اليوم وكل يوم موهوب لعلاء عبد الفتاح.

الحقيقة أن الحديث عن علاء أمر مُربك للغاية. لست متأكّدة تماماً من أية زاوية أدخل للحديث عن علاء عبد الفتاح.

هل أتحدّث عن علاء إبن الأب الأكبر للحقوقيين مولانا سيف إسلام حمد رحمة الله عليه والدكتورة ليلى سويف التي انشغلت وشغلت أبناءها بآلام الناس وأوجاعهم . بغضّ الطرف عن الإنتماء السياسي أو الديني أو الجنسي أو العرقي؟

أم أتحدّث عن علاء الحبيب المُتيّم، الذي تزوّج هو وحبيبته منال بقرار مُنفرد منهما بعيداً عن أسرتيهما؟ أم عن الأخ الذي علّم شقيقتيه الكثير، وأهم ما تعلّما منه أن قراراً مستقلاً لهما وسيادة كاملة على حياتهما؟

هل أذكر أن علاء عبد الفتاح هو أبو التدوين المصري، وهو أول من قاد حركة التدوين السياسي في مصر، ودفع بالكثير من الشباب والفتيات للتعبير عن أنفسهم بصدق صارخ، وربما صادِم للمجتمع، وكان لجميع المدوّنين بمثابة أب روحي؟

أم أتحدّث عن علاء سجين مبارك، والمجلس العسكري، والسيسي؟

أم فقط أتحدّث عن علاء الصديق الذي قضيت سنوات أناطحه ويناطحني، وكلما صمت، أثار قضية ليشاهدني وأنا أتحدّث بحماس ويضحك؟ ثم يقول لي: لأ..

منذ أن عرفت علاء وأنا أكتب: الحرية لعلاء.

مئة عام من "الحرية لعلاء".

الحرية لعلاء في العام 2006 على إثر تظاهرات تدعم استقلال القضاء.

الحرية لعلاء في عهد المجلس العسكري عقب أحداث ماسبيرو المروّعة، بعد أن اتّهم بسرقة مدرّعة جيش، بناء على شهادة زور لاثنين من عملاء الأمن! في تلك الأثناء ولد خالد إبن علاء.

كان علاء متزوجاً منذ سنوات، وكان قد اتّخذ وزوجته قراراً بعد الإنجاب نظراً لظروف البلاد السياسية. قبل قيام الثورة بحوالى عام، سافر علاء للعمل في جنوب إفريقيا مع زوجته، وكانت فرصة عمل لا يمكن تفويتها، لأنها في مجال تخصّصه، ولأنه عرضٌ سخيّ مجزٍ، ولأن الحياة هناك كانت أفضل. لكن بمجرّد أن قامت الثورة، صفّى علاء عمله هناك، واستقال، وترك بيتاً جميلاً، وعملاً مربحاً، ليعود على فيض الكريم إلى مصر ويشارك في الثورة، ثم أعلن أنه، وبما أن الثورة قامت، فقد انتفى سبب إحجامه عن الإنجاب، واتّخذ هو وزوجته قراراً بإنجاب ابنيهما خالد. لكن قبل أن تضع منال مولودها كان والده قد قُبِض عليه في القضية العبثية المذكورة أعلاه.

الحرية لعلاء في عهد السيسي وقد اتّهم بضرب ضابط وعدد من العساكر وسرقة لاسلكي!

ليس هناك ما يدعو سلطة نزيهة لمُعاداة علاء عبد الفتاح. فعلاء شخص مسالم جداً، على عكس تصوّر الكثير، بل إن دموعه سهل أن تنهال لرؤية فقير أو مظلوم. لم يقترف علاء جريمة سوى البوح، والتحريض  على البوح.

يا بخت من يقدر يقول"

واللي ف ضميره يطلعه

يا بخت من يقدر يفضفض بالكلام

وكل واحد يسمعه

يصرخ في وسط الناس

آآآآآه يا ناس

ولا ملام"

هذه هي الجريمة الحقّة التي اقترفها علاء عبد الفتاح في نظر السلطات المتعاقبة على حكم المحروسة.

هكذا بدأ منذ بداية حركة التدوين، وأطلق على مدوّنته: مدوّنة التنين البمبي. وكان اسم غاية في البلاغة، أي نعم، هو تنين بمبي، وبمبي باللهجة العامية المصرية تعني اللون الوردي. يسمعه الناس وهو يبوح فيظّنون أنه تنيناً، لكنه في الواقع، تنين بمبمي، لا يبوح إلا بآلام الناس، ولا ينشغل إلا بأوجاع الضعفاء.

ثم نذر حياته لحثّ الناس وتحريضهم على البوح بكل ما يعتلج بداخلهم، والتعبير عن ذواتهم، ولأننا نعيش في مصر، كانت آلام الناس لا تنفصل عن السياسة: المرأة المقموعة التي تتحدّث عن دواخلها من خلف ستار التدوين، لا تنفصل آلامها عن السياسة، الشاب المُحبط، لا يمكن فك ارتباط إحباطاته  عن الظروف السياسية، المسيحي الذي طالما خجل من التعبير عن شعوره بالغبن، لا يمكن فصل مأساته عن السياسة، حتى جمهور كرة القدم الذي طالما عاش طريداً لأنه يريد أن يشجّع فريقه، لا يمكن فصل ملابسات قمعه عن السياسة. لم يكن هناك تعمّد للهجوم على السلطة، كانت الناس تتحدّث، وتبوح، وتنطق بما اعتادت أن تخجل من التصريح به، فكان دائماً يصطدم بالسياسة ونظام الحكم، فما ذنب الذي باح بألمه أن المتسبّب في ألمه هو السلطة؟

البوح هو أول خطوات البحث عن الحرية.

الحرية المسلوبة هي أس  المظالم معادلة بسيطة كشفها علاء عبد الفتاح وهو يحرّض على البوح.

عقب حملات البوح التي شنّها علاء ومنال زوجته، بدأت المحاكمات  ضد أبطال المدوّنات، فأطلق شعار "لماذا يذهب الكلام أصلاً للمحكمة"؟

كان مجرّد كلام. لكنه لم يكن مجرّد كلام، لإنه أصاب السلطة في مقتل.

تقتات سلطة القمع على تكميم الأفواه.

تملأ الآفاق بغثاء الحديث، تضع على أذان الناس عبر قنواتها الإعلامية والصحافية أعداداً مهولة من المختلّين عقلياً، الذين تم انتقاؤهم بعناية، وقد تعمّدت السلطة بشكل منظّم أن تنتقي طبّاليها من المختلّين والجهلاء والتافهين، حتى تطبع هذه الصفات المزعجة على عقول الناس، فتتحوّل المشكلة من سلطة ظالمة فاسدة، إلى شعب مختلّ جاهل أبله تافه، لا يستحق حياة كريمة، وما تقوم به السلطة هو أنها تعامله بما يستحق، فهو لا يستحق الحرية.

وهذا ما دفع علاء، ومعه الرعيل الأول للتدوين، إلى إيجاد قناة جديدة للتعبير عن أنفسهم، والالتقاء سوياً عبر الفضاء الإلكتروني. لم يكسر علاء الصمت المُطبق فحسب، وإنما كسر أيضاً شعور كل منا بالوحدة والغربة. وجد بعضنا بعضاً، وشعر كل منا أنه ليس وحده، تبادلنا الأفكار والخبرات، تطوّر تفكير كل منا، تغيّرت قناعات كثيرة.

نحن مدينون لعلاء بهذا.. قولاً واحداً.

ولهذا فعلاء مجرم.

أنت رغاية قوي.. بس قولي قولي"

- ما أنا حاقول وحتقعد ترازي فيا

قولي وأرازي فيك"

فأقول.. فيبتسم ثم يبدأ في إثارة غيظي، ثم نضحك.

مات أبي الشاعر أحمد فؤاد نجم، ثم لحق به بعد أشهر أبو الحقوقيين سيف الإسلام حمد ووالد علاء عبد الفتاح.

مات سيف وابنه وابنته في السجن، أخذ علاء أذناً من إدارة السجن لدفن والده، بعدها بفترة وجيزة خرج علاء عبد الفتاح من السجن لبرهة قبل أن يعود  إليه مرة أخرى، وشعرت أن علاء قد كبر في السن بما يوازي حوالى ثلاثين عاماً، وكنت أشعر بذات الشيخوخة عقب وفاة والدي، فجلسنا هذه المرة نتبادل الحديث الهادئ، كاثنين مسنين يجلسان على قهوة المعاشات. لم يقل: قولي.. ولم أحذره من المرازية.. ولم يعلو صوتنا ضحكا أو نقاشاً.

نحن الآن مهزومون. فلا أعلم لماذا الإمعان في التنكيل بخصم مهزوم لم يحمل يوماً سلاحاً ولا حجراً وكل سلاحه كان لوحة مفاتيح الحاسوب؟

علاء بريء، لكنه حُبس خوفاً من براءته وحماسته. لم يعد لدينا براءة الأطفال التي كانت تحرّكنا، وخبت جذوة الحماسة، فاتركونا لحالنا.

علاء محكوم عليه بالسجن بموجب قانون التظاهر، وبتهم بادية البهتان، ينتظر النظر في نقض الحكم يوم 17 أكتوبر

احكم بالعدل يا قاضي قدامك مظاليم.

ومازال محامينا هو الله.