مالك مصطفي عن علاء

2006

سجن طرة تحقيق

عندما فتح علينا باب الزنزانة, جاءت لنا أخبار أن هناك دفعة جديدة قد تم القبض عليها, وأنهم موجودين في المبني القديم للسجن.

قرر المهندس والرفيق كمال خليل, بإعتباره منسق المحبوسين, أن يرسل أحد نبطشية العنبر كي يأتي لنا بالأسماء.

كان الثمن 4 علب سجائر, غاب النبطشي لنصف ساعة وعاد معه الأسماء, لم نتعرف على الأسماء ولكن إعترانا الشك في إسمين هم وائل أحمد, والذي رجح البعض أنه وائل خليل, وعلاء أحمد عبدالفتاح, والذي رجحت أن يكون علاء سيف, لكن أغلب من كان معنا, أستبعد ذلك .

(وقتها لم يكن علاء يعرف بإسم علاء عبدالفتاح, إلا في وسط التقنيين والمدونيين, أما السياسيين, فيعرفونه بعلاء أحمد سيف)

 

2001

كنت مستجدا في عالم اللينوكس, الذي إرتحلت إليه, بسبب إمتلاكي لمقهى إنترنت في تلك الفترة, ورغبتي في توزيع جيد للإنترنت, كانت أقصى سرعة في ذلك الوقت هي 512 كيلوبايت, وكان يجب على من يريد أن يحوزها, أن يطلب خط هاتف مختلف من السنترال, ولابد أن توافق عليه الجهات الأمنية.

بحثت في الإنترنت على أي موقع للينوكس باللغة العربية, إلى أن وجدت مقالات لشخص يدعى علاء عبدالفتاح باللغة العربية, على موقع يدعى Egyptlinux.

قمت بالتعليق على المقال, بسؤال عن كيفية إضافة دعم اللغة العربية لتوزيعة ريد هات, كان رده عنيفا جدا, أتذكر أنه أخبرني أن أقوم بالبحث أولا قبل السؤال, وأن عدم إجادتي للغة الإنجيليزية ليس بمبرر كي يضيع وقته في الرد علي.

رديت عليه بدوري بشكل أكثر عنفا, وأخبرته, أن الوقت الذي أضاعه في كتابة ذلك الرد, كان يمكن أن يرد فيه على سؤالي, بدلا من الإستعلاء..

أغلقت الصفحة, وقررت أن أتعلم الانجيلزية, كي لا يقوم أي أحد بالرد علي بمثل تلك الحدة, و لن أسئل أحدا بعد اليوم في أي شيئ له علاقة باللينوكس.

2004

أتاني إتصالين متتالين من مدونين من القاهرة, أحدهم من عمرو غربية, والثاني من شخص عرف نفسه أنه علاء, الإتصالين كانا بخصوص شاب يدعى كريم عامر, من نفس منطقتي بالاسكندرية, يشن عليه السلفيين حملة لسجنه, بسبب أراءه المعادية للإسلام.

دعاني علاء في ذلك الوقت للقاهرة, لندوة عن المدونات تقام في التاون هاوس, ولنجلس بعدها, نتحدث..

بمجرد جلوسي في الصف الخلفي, كنت أتابع شخص طويل الشعر, يرتدي تي شيرت عليه بطريق اللينوكس, أخبرت نفسي أن لابد من التعرف عليه, بعد أن تنتهي الندوة, فهو رفيق في حب اللينوكس في النهاية.

كانت المرة الأولى لي التي أرى فيها شخص يعتز باللينوكس, لدرجة إرتداءه بطريقها السخيف, والذي كنا جميعا متيمين به, ولا زلنا.

كانت ملامحه, وصوته, توحيان لي أنه من نفس طبقتي, إلى أن قام وتحدث بإنجليزية سليمة تماما, وبليغة بالنسبة لي, كنت أحدث نفسي, بالشكر لعلاء, ذلك الشخص, الذي لولا عنفه معي, الذي جعلني أصر على التغلب على ماينقصني, ما كنت فهمت ولا كلمة مما يقولها ذلك الشخص الطويل الشعر.

مع إنتهاء الندوة, ذهبت إليه, أخبرته إني موافق على أغلب ما قاله, أخبرته من أنا, فسلم علي بحرارة شديدة, و لامني على عدم تعريفي لنفسي في بداية الندوة, لأنه كان يود أن يعرف مني بعض الأشياء عن ما يحدث في محرم بك(في تلك الفترة, كانت أحداث كنيسة القديسين, والتي راحت ضحيتها راهبة مسنة, قتلت على باب الكنيسة)

سئلته عن إسمه بالكامل, أخبرني أنه علاء عبدالفتاح..

2006

إستطعنا أن نأتي بعلاء ووائل من المبنى المسجونين فيه, وكنا نتناول يوميا الإفطار سويا, وبعدها كنت أنا و محمد الشرقاوي, نقوم بمصارعتنا اليومية, والتي كان ينتج عنها الكثير من الإصابات والضحايا, ممن كان يقع به حظهم العاثر في محيطنا, بعد أن انتهينا أنا وشرقاوي, ذهبت لعلاء, كي أجذبه إلى المصارعة أيضا, دفعني بغضب, وأخبرني أنه لا يحب العنف, ولا يحب من يمارسونه, إستغرقني الأمر ثواني, كي أفهم ما يقوله, كيف لذلك الشخص صاحب الخطاب العنيف, أن يكون مسالما لهذه الدرجة, وكاره للعنف وممارسينه, كان ينسحب تماما من أي عنف ذكوري نقوم به في العنبر أو في التريض, ويغضب منا ويعتبرنا أطفالا, في مدرسة…

كنا حقا أطفالا في مدرسة, نحاول التغلب على الوقت, بإفراغ شحنات الغضب داخلنا, لكن علاء كان يحب إستثمار وقته في مناقشات سياسية, أو ثقافية, كنت لا أستطيع تحملها أبدا, ودائما ما كنت أخربها عمدا, ويغضب هو مني, ويركض ورائي في طرقة العنبر, إلى أن أتوقف, وأبدأ في التهديد بالعنف, فينزعج من جديد..

أحببته في تلك الفترة كثيرا, كان طفلا مسالما, يحاول تغيير العالم من حوله, بالأفكار, وكنت على نقيضه تماما, أرى أن العالم لابد من أن ينتهي كي يبني من جديد, و أن لا سبيل لمحاربة العنف إلا بالعنف…

كنا في الرابعة والعشرين من عمرنا, لكنه كان أكثر تعمقا منا.

2011

أكتوبر-مذبحة الأقباط-أحداث ماسبيرو

عندما قبض على علاء, وتم إتهامه بسرقة المدرعة, و إشعال فتنة طائفية, للوقيعة بين الجيش والشعب, لم أفهم, كنت أخبر من حولي, هل يعرفون علاء حقا ؟

علاء أكثر وداعة, ومسالمة من كل ما يحدثون الناس به, علاء لم يتعدى يوما العنف اللفظي, الذي لم يصل أبدا في يوم من الأيام للتهديد بالإيذاء البدني..

2011

2فبراير

الرابعة عصرا

بعد إصابة صديقي عبدالرحمن غريب, بحجر في رأسه, كنت وحيدا أمام تمثال عبدالمنعم رياض, لم يكن حولي من أحد أعرفه, بعد مناوشات إستمرت لساعة ونصف, وتقدم بضعة أمتار للأمام, عدت إلى صينية الميدان لأخذ قطعة من الحلاوة الطحينية, كي أستمد بعض الطاقة للمعاودة.

مع نهاية سور المتحف, وجدت من يحتضني, من الخلف, إلتفت وفوجئت أنه علاء, لم أفهم كيف عاد من جنوب أفريقيا, التي إستقر فيها خلال الثلاث سنوات الماضية, أخبرني أنه منذ الثامن والعشرين, وهو يحاول أن يعود, لكنه لم يجد تذاكر طيران, حتى اليوم, وأنه وصل منذ ساعة تقريبا, وجاء من المطار إلى الميدان مباشرة.

أخذ يسئلني عن الجبهات المفتوحة, وعدد الضحايا والشهداء, وهل هناك حصر بالعيادات الميدانية, وهل هناك أطباء كافيين, إلخ…

أخبرته بما أعرفه بشكل سريع, وإستأذنته أنه يجب علي أن أعود إلى عبد المنعم رياض.

قمنا بدحر فلول مبارك, إلى ما بعد التمثال, وفتحت أكثر من جبهة, أستقرينا (لا أعرف أحد ممن كنت أتناقش معهم في خطة تطهير الشوارع المحيطة بالميدان, كنا أغراب, قرروا أنهم رفاق وأخوة, ولا فرق بين أحدنا والأخر) على أن نقوم بكماشة, طرفيها شارعي قصر النيل وميريت, ومن ثم تقوم مجموعة بالدخول من شارع محمود بسيوني, ونقوم بمحاصرة الفلول وتشتيتهم حول ميدان طلعت حرب.

أثناء تقدمنا في ميريت, وجدت علاء يتقدم معنا, غير حامل لشيئ في يده, ذهبت إليه, عارضا بعض الطوب, وسيخ حديدي, كي يدافع عن نفسه إن وقع في أيدي الفلول, لكنه رفض تماما, وأخبرني أنه لا يجيد قذف الحجارة, ولا يجيد العنف من الأساس, و سيكتفي بدور المحرض والمشجع.

لم أوافقه بالطبع, وتركته وركضت للأمام, كنا مجموعة من 12, قتل منا اثنين في المواجهة, وتشتت العشرة الباقيين, نظرت للوراء, فكان علاء يتقدم ب30 أخرين من خلفنا, يصرخ فيهم, أنهم إن لم يطهروا الشارع, فالفلول سيقتلوننا, وأننا سنعدم في ميادين عامة, إن هزمنا اليوم..

إبتسمت له, أيقنت يومها أن علاء دوره الأكبر و الأهم هو التحريض, أنبت نفسي على تقييمي السلبي له, لرفضه العنف, تأكدت أنه من الأفيد لنا تماما, أن يلتزم علاء بذلك الدور, فبدلا من واحد, أتى لنا بثلاثين..

كان يختفي كل مرة حين يصل إلى الصف الأمامي, ليعود مرة أخرى بمدد من الثوار, و هكذا دواليك, إلى أن إستطعنا في النهاية أن نطهر كل شوارع وسط المدينة المحيطة بالميدان.

2016

27-9-2016

يتم علاء و أحمد عبدالرحمن, وعبدالرحمن سيد(كوجي), عبدالرحمن طارق(موكا) اليوم نصف مدة حبسهم, في القضية المعروفة ب #مجلس_الشورى , والتي أفرج عن جميع المتهمين فيها بعفو رئاسي منذ العام الماضي, بإستثناء هؤلاء الأربعة.

والتي لا يوجد أي مبرر سواء من ناحية العدل, أو المنطق, أو الذكاء حتى, في إستمرار حبس هؤلاء الأربعة, لكنهم يعاملون كما المثل(إضرب المربوط, يخاف السائب) هم موجودون فقط لإخافة من في الخارج, لكن ما لايعرفه من يحكمون هذا الوطن, أن من بالخارج ليسوا بخائفين, كي يسجنوا هؤلاء الأربعة, من بالخارج في أقصى درجات إكتئابهم, ولولا مسؤليات بعضنا, وتحريم البعض, لكان أغلبنا قد إنتحر, وأراحهم منه, وأرتاح منهم.